سيد محمد طنطاوي
470
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فالمراد بالإظهار : الاطلاع ، وهو مشتق من الظهور بمعنى التغلب . وعبر بالإظهار عن الاطلاع ، لأن حفصة وعائشة كانتا حريصتين على عدم معرفة ما دار بينهما في هذا الشأن ، فلما أطلع اللَّه - تعالى - نبيه على ذلك كانتا بمنزلة من غلبتا على أمرهما . وقوله - سبحانه - : * ( عَرَّفَ بَعْضَه وأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ) * بيان للمسلك السامي الذي سلكه صلى اللَّه عليه وسلم في معاتبته لحفصة على إفشائها لما أمرها أن تكتمه والمفعول الأول لعرف محذوف أي : عرفها بعضه . أي : فحين خاطب صلى اللَّه عليه وسلم حفصة في شأن الحديث الذي أفشته ، اكتفى بالإشارة إلى جانب منه ، ولم يذكر لها تفاصيل ما قاله لها سابقا . لسمو أخلاقه صلى اللَّه عليه وسلم إذ في ذكر التفاصيل مزيد من الخجل والإحراج لها . قال بعضهم : ما زال التغافل من فعل الكرام وما استقصى كريم قط وقال الشاعر : ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابى وإنما عرفها صلى اللَّه عليه وسلم ببعض الحديث ، ليوقفها على خطئها وعلى أنه كان من الواجب عليها أن تحفظ سره صلى اللَّه عليه وسلم . قالوا : ولعل حفصة رضى اللَّه عنها - قد فعلت ذلك ، ظنا منها أنه لا حرج في إخبار عائشة بذلك ، أو أنها اجتهدت فأخطأت ، ثم تابت وندمت على خطئها . ثم حكى - سبحانه - ما قالته حفصة للرسول صلى اللَّه عليه وسلم وما رد به عليها فقال : * ( فَلَمَّا نَبَّأَها بِه قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) * . أي : فلما سمعت من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ما يدل على أنه قد اطلع على ما قالته لعائشة ، قالت له : من أخبرك بما دار بيني وبينها ؟ فأجابها صلى اللَّه عليه وسلم بقوله : أخبرني بذلك اللَّه - تعالى - العليم بجميع أحوال عباده وتصرفاتهم . . الخبير بما تكنه الصدور ، وبما يدور في النفوس من هواجس وخواطر . وإنما قالت له صلى اللَّه عليه وسلم : * ( مَنْ أَنْبَأَكَ هذا ) * لتتأكد من أن عائشة لم تخبره صلى اللَّه عليه وسلم بما دار بينهما في هذا الشأن . . . فلما قال لها صلى اللَّه عليه وسلم : * ( نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) * تحقق ظنها في كتمان عائشة لما قالته لها ، وتيقنت أن الذي أخبره بذلك هو اللَّه - عز وجل - . وفي تذييل الآية الكريمة بقوله : * ( الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) * إشارة حكيمة وتنبيه بليغ ، إلى أن من الواجب على كل عاقل ، أن يكون ملتزما لكتمان الأسرار التي يؤتمن عليها ، وأن إذاعتها - ولو في أضيق الحدود - لا تخفى على اللَّه - عز وجل - لأنه - سبحانه - عليم بكل معلوم ،